يحدث أن يواجه الإنسان موقفاً في حياته يعجز عن تجاوزه، يؤلمه ويؤرقه، بلاء يصيبه في رزقه أو عمله أو سعيه.
لحظة يتعسر أو حتى يتوقف خلالها تدفق النعم إلى واقعه ويتعطل سريان حياته.
فيبدأ يسأل العبد ماذا حدث وما الذي تسبب في هذا الجمود الواقعي؟
ما هو الخطأ الذي وقعت فيه وأين التقصير؟ ما هو الداء وما هو الدواء؟
تدور به الأسئلة حتى تدفعه للبحث عن من عاشوا هكذا محنة ويتّبع مسارهم وسبلهم، هنا يبدأ التيه الحقيقي، فهذا يظل يلح أن البلاء من الغيبة ، فيراجع الإنسان نفسه ثم يراقبها ثم يتوب الله عليه-لكن لا يرفع البلاء- ، وذاك يصر على أن الأمر وقع بسبب الكبائر، فيبدأ العبد الرحلة لمعرفة الكبائر وتصفية حياته منها الواحدة تلو الأخرى، ثم ماذا؟ لا يرفع البلاء.
وآخر يجزم أن الحل في الاستغفار وأنك تستحق ما تمر به ويصور لك أن الله منتقم من عباده -حاشاه-الرحمن الرحيم، البعض يصر على قيام الليل كبوابة لنيل المراد والآخر يحلف أن سورة البقرة هي دواء لكل داء، وآخر يشدد على التسبيح ، وأصوات أخرى تنادي بالسعي والأخذ بالأسباب وأن السماء لا تمطر ذهبا، فتجد نفسك تقوم بمسح شامل للواقع وتأخذ بكل سبب بل وتسعى في كل اتجاه حتى تنفذ طاقتك وتخور قوتك، ثم ماذا؟ لا يزال البلاء!
أما النوع الآخر يطالبك بالرضا بالمنع، لأن الله يعلم وأنت لا تعلم، أو الصبر على البلاء والاستسلام أمامه وكأنه نهاية الأمر.
وكلما مرت الأيام، ثقلت عليك وأثقلت خطواتك، وكلما جربت المجربات واتبعت التوجيهات وحرصت على التوصيات، لا تزداد إلا ضياعا وثقلًا، ومع مرور الوقت تحبط عزيمتك وينشط الشيطان ووساوسه لك بأن هذا قدرك ويجب أن ترضى، لكن المشكلة أن الإنسان في هذه المرحلة يكون ممزقاً بين أمرين أو مُرّين، الأول رغبته في تخطي المحنة ورفع البلاء وهو ما لا يقدر عليه، ومن جهة أخرى رغبته في الاستسلام للواقع والانسحاب وهو ما يعجز عنه.
فوق البلاء .. بلاء
بعد كل هذا من الطبيعي أن يزداد سخطك على نفسك، لأنك في نظرها فاشل، فشلت فيما أكد الجميع أنهم نجحوا فيه بل وتخطوه، فتجتمع أثقل المشاعر على صدرك تثقل أنفاسك وتضيق بك جنبات روحك وكأنك تريد أن تغادر نفسك.
تبدأ موجة جديدة من الأسئلة، هل ربي غاضب عني؟ هل عملي لا يقبل؟ هل سعي ضائع؟ ما الخطأ الذي وقع مني؟ وكيف الجميع نجحوا إلا أنا؟، ومعها تبدأ موجة جديدة من الاتهامات، نعم أنت أتبعت كل هذه الوسائل لكن بالتأكيد قلبك ساهيًا لاهيًا، أو أن رغبتك في ما عند الله أعظم من إيمانك، أو أن هناك نوايا معاكسة داخلك فأنت تمنع نفسك بنفسك، وتبدأ في تلقي حلول في التخلي التجلي، أو فك التعلق أو أن تشغل نفسك عن مرادك ليأتي إليك.
فتعيش بين إيمانين الأول أنك لن تتخطى هذا الأمر والثاني أنك مغضوب عليك منبوذ من رحمة الله، وبين الاثنين لا يوجد عيش حقيقي إنما هي تمضية وقت منزوع الشغف والرغبة في الحياة.
"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"
لنحلل الأمر، ونرتب الأحداث ، ونفحص التحركات لنحدد متى وأين وقع الخطأ.
أولا يجب أن تؤمن بأن كل الناس يوميًا يعيشون في ابتلاءات، بالعطاء تارة وبالمنع تارة أخرى، وبالسعي الذي يتأخر ظهور ثماره أيضا، فالبلاء طال الأغنياء والفقراء، والأتقياء والفجّار، والطيبون والأشرار، لأن البلاء هو آلية إلهية لتزكية العباد وتطهيرهم وتطويرهم، فالقصد منه ليس الألم بل ردة الفعل المناسبة.
وعندما يترسخ في رأسك أن ما أصابك الجميع معرضون له بإختلاف الأشكال والمدد، تهدأ نفسك وتخرج من دائرة -المنبوذ-.
ثانيا كل الحلول التي ذكرت سالفا في هذا المقال، بصدق تنجح وتكون سببا وسبيلًا بإذن الله لرفع البلاء، لكن هل سألت ما الذي يناسب حالتك؟الأمر أشبه بالتشخيص الموحد إستنادًا على عرض واحد،وتأكيد الإصابة بالمرض نفسه لكل من يعاني من هذا العرض، تشخيص عشوائي وعلاج موحد لكل مريض، الذي يعرض الحلول.. جزم بأمر لم يلم به، والذي اتبع ..آمن بالسبب وغفل عن المسبب.
لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، كل مشكلة تحتاج متخصصاً، يلم بكل الأمور ولا يطلق أحكامه بشكل جائر وعام، والذي يبحث عن الحلول، ترك الباب المفتوح وهو باب الرحمن الرحيم المحيط بكل شيء وذهب إلى طرقات وسبل ما كانت لتهديه ابدًا إلا بإذن الله.
فعند وقوع ما لا نطيق من الأقدار، من رحمة الله أنه أعطانا حق الإلتماس، وطلب رفع ما وقع، باللجوء إليه، فلا يرد القضاء إلا الدعاء، فكان الرسول عندما يحزبه أمر يفزع للصلاة.فلنقتدي به، ركعتين أسميها ركعة "بوح" تفرّغ كل ما بداخلك لله، والأهم كل التساؤلات ، فلا تصدق من يخيفك من أن تسأل الله "ربي هل راضي عني؟ ربي ما هي الحكمة والمقصد الذي سبحانك تريدني أن أبلغه من خلال هذه المحنة؟ خالقي لم يكن معك شريك في خلقي، تعلم سري وعلني، تعلم ما فطرتني عليه من نور وتعلم ما اكتسبته من ظلمات، بحق علمك وإحاطتك ارسم لي طريق خروج ميسر من ما أنا فيه.
أبواب الجنة الثمانية لم تخلق لندخل جميعًا من باب واحد، لذلك فكل فرد لديه صراطه المستقيم الخاص به، وليس شرطًا أن ما نجح مع غيرك هو ما سينجح معك، منهج الله في هدايته لك متفرد و خاص.
"وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا"
هناك غفلة نعيشها جميعا وهي فردانية كل شخص وتميزه وأيضا عيوبه، ففكرة ال DNA يجب أن تكون مفهوماً عاماً عند الجميع، أنا غير، علّتي غير، دائي -إن ظاهريًا شابه غيري- فهو فريد من نوعه، لذلك دوائي غير وحتى أسباب الداء غير.
بعد ذلك تبدأ رحلة الخروج من ظلمات النفس إلى طبقات النور الإلهي، يلزمك خلال رحلتك الصبر والثقة بالله، لن يفلت يدك صدقني، فقط آمن، هل يعقل أن تصنع شيئاً ثم تتركه يضيع، ولله المثل الأعلى خلقك حاشاه أن يضلك ما دُمت اخترته هو القائد.
سيهيأ لك الله المحيط بالكامل، من رسل ورسائل، وبالطريقة الأيسر والأسهل لأنه خلقك فهو أعلم بطريقة فهمك للأمور، ارتدي دائما نظارة حسن الظن بالله، وكلما اشتد الواقع، ترى حسن أفعال الله من خلالها، آمن أن البلاء مؤقت والفرج قادم لا محال (اشير إليك بقراءة مقال "الفتح الإلهي سنة كونية" ).
في كل مرحلة من مراحل الخروج والدخول ( من الظلمات إلى النور) ستختلف الوسائل ونوعية الرسائل، لذلك أحرص على تجديد العهد بينك وبين ربك بركعتين البوح، وكأنك تقدم تقريرًا عما مررت به ، خالقي أنا استمعت اليوم لمعلومة، هل اتبعها؟ هل هي من ضمن حلولك ووسائلك لي؟
وهكذا أنت تستثمر البلاء بتكثيف اللقاء مع الخالق والتحدث معه، وفي الوقت نفسه أنت لا تتبع كل ما تسمعه وتراه لمجرد أن هؤلاء الأشخاص نجحوا وبلغوا سؤلهم.
لا تتحسر على ما تعلمت أو أتبعت، فكل معلومة عرفتها على طريق الخروج بالتأكيد سيثيبك الله عليها، و من خلال هذا التعلم أنت بنيت معرفة جديدة، فلا تضيّق أفقك فتعتبر أن ما لم ينفعك الآن فقد أضرك، لأنك لا تعلم القادم من الأمور و ماذا قد تحتاج، و لو لم تحتاج أنت فقد يستخدمك الله لتساعد غيرك.
تذكر أنك في البلاء شخص عليل تحتاج إلى طبيب وأن الله قال " وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" فالله لا يعطيك مجربات ، بل يلبسك الشفاء ، فلا تلقي بنفسك فوق أسِرّة المشخصين أو على طاولة المفكرين فهم اعتادوا تعميمم الداء وتوحيد الدواء ، إنما هي سجدة تنطرح فيها بين المنزّل والرافع وهو كفيل بتوجيهك للوسائل ورفع ما نزل بك وأثقل فؤادك.
ردد دائما: ربي إن في قلبي داء انزل بي البلاء ومنع عني العطاء فألهمني وأرشدني للدواء.