بلوغ النعم و المسار الإنساني و سر التوقيت الإلهي
قبل أن يخلق الله سيدنا آدم، أراد أن يكون هناك خليفة في الأرض، والخلافة في الأرض تتطلب إعماراً وسعياً وتوسعاً، كل ذلك يتم بإرادة الله وحوله وقوته، لذلك الفتح من أدوات التمكين في الأرض واستمرار الخلافة البشرية عليها، "وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ" فإرادة الله ومشيئته هي تمام النعم على العباد
إذا لماذا هناك بعض النعم التي لا تزال غير مكتملة بل وعالقة رغم سعيك إليها؟
النعم أصلها عطاء إلهي وزينة للحياة، الغرض منها أن نتقرب بها إلى الله، وأن نتطور بها ومن خلالها… كيف؟
اتفقنا أن الله من كمال صفات أفعاله "التمام" أي الاكتمال، لكن هناك نظاماً إلهيًا يدير عملية الإتمام، فبعض النعم تأتي لتطورك، وأخرى تتطور قبل مجيئها، وذكر هذا النظام في سورة الفتح
قال تعالى :
"وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
(19)وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا
(20)وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا"
مثلا: خريجان يبحثان عن وظيفة، الأول وجد وظيفة خلال ثلاثة أشهر، لكن بيئة العمل تتطلب الكثير من السعي وهناك أدوار ومهام لم يتدرب عليها من قبل ولا يألفها، فيظل يخالط من هم أعلى منه في المهنة ويتعلم منهم، يسجل في دورات لغة ويحاول بجميع الوسائل مواكبة متطلبات هذا العمل وبعد خمس سنوات يجد نفسه يتسلق سلم الترقيات بعد أن أصقلته التحديات وأخرجت منه نسخة لم يكن يظن أنه يمتلكها
أما الخريج الآخر، فظل يطرق الأبواب، ومع كل رفض كان يراجع نفسه ومهاراته، يحاول أن يحسن من ملفه، التحق بدورات تدريبية، وعمل تطوعي ومجتمعي، استمع لذوي الخبرة، لم يمض عليه يوم إلا وسعى فيه أن يطور من نفسه
بعد خمس سنوات قدّم على وظيفة لكن ملفه وقتها كان أثقل وأكبر منها والأهم أن عقليته اتسعت وتطورت، عيّن في منصب يليق بما بناه داخله يوما بعد يوم
الاثنان ذاقا طعم الفتح الإلهي، لكن لكل شخص رحلة خاصة في الحياة، وكل رحلة بشرية صممت بحكمة إلهية وفقا لاحتياج كل شخص وقدرته
النية والإدراك يحددان سلاسة السعي والمسار.
بعض النعم تأتي مليئة بالتحديات، لأنه مقدر لك أن تتطور وتتزكى من خلالها، مثلا بنت تزوجت في عمر العشرين، وأنجبت في العمر نفسه،مرت بتحديات كثيرة من دور الزوجة ومسؤولياته ثم دور الأم ، قُدّر لها أن تطورها في الحياة من خلال هذه النعمة المعجلة لها " فعجل لكم هذه".
وهناك نوع آخر من النعم، تكون مرحلة التطور تسبقها وليست من خلالها، مثلا بنت تنوي الزواج بزوج صالح، فجأة تستيقظ على تحديات أسرية ومجتمعية -ظاهريا- هو تشتيت وليس له علاقة بنيتها، أما في علم الغيب الله أحاط لها برزقها في الزواج إلى أن تتطور قبله.
الله يعلم هو خبير وقدير، يعلم الطريقة الأنسب لتطوير ورفعة وتزكية كل منّا، فيعجل لك نعمة متممة، لتتطور من خلالها، ويحيط بأخرى يعلم أنها رزقك ويحفظها لك ويطورك ويزكيك ويرفعك ثم يتمها عليك.
كل حسب احتياجه وقدراته وسعيه وتصديقه وصلاح نيته، واشدد على صلاح النية، لأنه في المثال الأول، إن لم تخلص البنت التي تزوجت النية لله، فسترى هذه النعمة حملاً وعبئ ولن تترك أي مناسبة أو طاولة طعام إلا وشحنتها شكوى وتذمر.
أما المثال الثاني، الساعية للزواج، إن لم تكن نيتها أيضا سليمة، سترى أن هذا تأخير وتعطيل وحرمان لها، وأن الأرزاق شحيحة وأن الدنيا حظوظ وهكذا.
في الحالتين، يفعل الله لأجلك، ما لا تقدر على أن توفيه حقه في الشكر والامتنان.
"إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا"
قصص القرآن سخية في استعراض بلاغة الحكمة الإلهية في الفتح على من اصطفى من عباده بالشكل والتوقيت الذي اقتضته حكمته، فمثلا سيدنا سليمان قيل عنه في الكتاب " وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ" و" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ"، فوق أن ورث سليمان داود كان له ملك لم ينبغ لأحد من بعده، وكان هذا فتح الله عليه بالنعم ليترقى في العبادة وينيب، فكان الفتح الإلهي وكل هذه النعم ليتطور من خلالها سليمان حتى يصل لهذه المرحلة من الإنابة لله " هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ"، فكان الفتح المبكر هو التأهيل ليكون نعم العبد.
أما سيدنا يوسف فهو ومن سن صغير ذاق من الابتلاءات والمحن من أقرب الناس إليه حتى يقول الناظر أنه لا خلاص له في هذه الحياة، ومن كان يظن أن بعد رمي في البئر من الأقربين،وبيع بثمن بخس، ثم فتنة، ثم سجن ظلم، وان بعد كل هذا سيصل لمرحلة يقول فيها " قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا"، فما كان لبشر أن يؤول رؤيا الملك إلا يوسف، وما كان لأحد أن يمكّن وينال منصب العزيز إلا يوسف وهذه كانت " وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ" فالله ولاه لمَّا أصبح قادراً على الولاية، وطوال تلك المدة حفظ له رزقه ودوره في الحياة.
وفي قصة سيدنا يوسف وموسى قال الله " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، بينما قال على سيدنا يحيى" وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا"، فكل له وقته المحدد ليحيا الفتح الإلهي المؤكد، فسنة الله على الأرض جرت بأن يفتح على عباده من الخيرات ما يقربهم به إليه ويتودد إليهم به.
لكن لكل شيء قدر وأجل، أي وقت محدد، فلا تشغل نفسك بمن وصلوا قبلك، صدقني أصلا هذه الجملة نرددها لكنها منافية تماما للسنن الإلهية، فنحن نسير بقدر إلى القدر، فلا أحد منا سابق ولا آخر متأخر، لكل مسار وسرعة خاصة به، ابتعد عن تشتيت نفسك بالنظر إلى مسارات الآخرين، واسعى بجد مستمتعًا بالرحلة ومستشعرًا بسهولة قرب العطاء الإلهي.
تذكر: استشعار التأخر وهم يجعلك في عجلة، و إستشعار التقدم وهم يجعلك تتكاسل. خلال الرحلة ستحاط بالمشتتات،إستثمر طاقتك و حدد ما الذي تريد أن تركز عليه و ما الذي ستتجاهله.