سلسلة تدبرات سورة الكهف
كهف رحمه الله
جرت العادة في تلقي أخبار الله في القصص القرآني، أن الحديث يكون عن قدرة الله في الموت والإحياء، كالذي مر على قرية وتساءل كيف تحيي هذه الأرض بعد موتها، فأماته الله ثم أحياه ليجد أن الحياة بعثت في القرية كلها.
لكن وجه العجب في قصة أصحاب الكهف هو النوم ثم البعث، نوم لمدة ٣٠٩ أعوام، نوم مختلف عن نومنا وسبل حياة مختلفة تخدم احتياجاتهم الآنية.
"وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا" هيأ الله لهم أسباباً مخصوصة تبقيهم على قيد الحياة -نيام- من أول الشمس التي أصبح لها مسار معين حتى تطل على أجسادهم مرتين في الشروق والغروب، ومن تقليب أجسادهم عن اليمين والشمال، وإلى كلب سخر لهم على مدخل الكهف باسط ذراعيه يزهق كل من يحاول أن يقترب خوفا ورعبا.
حالتهم حالة تسليم كلّي شامل، وكأنهم قالوا ربنا لم نأوي إلى الكهف بل آوينا لرحمتك فهيىء لنا الكهف وأرشدنا لأقوم السبيل، فكانت الإجابة إحاطة شاملة كاملة أيضا بتسخير كل آيات الله بما يخدم هؤلاء الفتية ويجعل منهم آية.
النومة كانت من نوع خاص، علميًا الأذن لا تنام، أي أن حاسة السمع تظل مستشعرة لكل حركة وتلتقط الأصوات من حولها، أما في حالتهم فيتجلى الإحكام الإلهي في آية "فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا"، فالنوم هذه المرة شمل حاسة السمع، فدخلوا في حالة من السكون الذي يحب الله لعباده أن يكونوا عليه بين يديه.
فنحن أيضا أمامنا فرصة أن نأوي إلى كهف رحمه الله، ونسأل الله الرشاد في أمرنا، وأن يهيئ لنا المرفق والمستقر الذي تستقر معه وبه قلوبنا وأبداننا، ونسأله أن يضرب على آذاننا فلا نسمع أصوات الشك والخوف ووساوس الشيطان.
اللهم ولايتك التي لا تعزها على عبادك، فتأوينا إليك عن كل ضلال وخوف وألم وتيه، وتجعل الرشاد طريقنا، والهدي سمعنا، والسكون مستقرنا، والفوز في الدنيا والآخرة مصيرنا ونصيبنا.